الكويت تقلب موقفها في العقوبات الخليجية من «الدفاع» إلى «الهجوم»
جورج شاهين
Thursday, 12-Feb-2026 07:31

لا يمكن تجاهل خطورة القرار الكويتي بفرض عقوبات على مجموعة من المؤسسات الاستشفائية في لبنان، من هوية محدّدة ارتبطت خدماتها بالرعاية الحزبية والبيئة الحاضنة لـ «حزب الله». وما يخشاه البعض، أن تكون هذه الخطوة مقدّمة لأخرى يمكن أن تتخذها دول مجلس التعاون الخليجي. وما يعزز المخاوف، أن تكون المبادرة كويتية، وهي التي تحرّكت على عجل مطلع العام 2022، للتخفيف من حدّة العقوبات السعودية التي طالت الصناعات الغذائية والزراعية اللبنانية. فهل انقلبت الأدوار إلى هذه الدرجة؟

لم تأخذ العقوبات الكويتية الجديدة بحق مجموعة المستشفيات الخاصة بـ«حزب الله» وبيئته الموزعة بين الضاحية الجنوبية لبيروت وبعلبك والجنوب، حقها من القراءة المعمّقة في توقيتها وشكلها وحجمها ومضمونها. فهي المرّة الأولى التي تلامس فيها العقوبات القطاعات الاستشفائية، ما جعل التوصل إلى الأهداف منها معقّدة وغير واضحة المعالم، ذلك انّ ما هو متعارف عليه، أن تشمل العقوبات الأميركية والخليجية والدولية القطاعات الاقتصادية والشركات التجارية الكبرى ونقل الأموال العابرة للقارات والدول، من ضمن حسن تطبيق الضوابط الدولية لمكافحة الإرهاب وتمويله والإتجار بالبشر والممنوعات والتهرّب الضريبي.

 

على هذه الخلفيات، توسعت السيناريوهات التي تحاكي القرار الكويتي، فرأت في توقيته وشكله مناسبة للتأكيد أنّ الشروط الدولية التي تحاكي أي تطور على الساحة اللبنانية بات رهن التعاطي مع مظاهر الخروج على الدولة والتخلّي عن منطق الإحتفاظ بالسلاح غير الشرعي، والتي تحولت بكل المعايير الدولية المعبر الإجباري إلى أي قرار بتقديم المساعدات، ولا سيما منها تلك المخصصة للإنماء وإعادة الإعمار. كما بالنسبة إلى مشاريع الاستثمار المالي التي لن تُستأنف في أي مجال قبل التثبت من أمرين مهمّين: أولهما الأمن المستتب بيد الدولة وقواها الذاتية، والقضاء وسبل التحكيم المعترف بها دولياً، ضماناً لحل اي خلاف متى نشب بين المستثمر وأي من المؤسسات في القطاعين العام والخاص.

 

اما في المضمون، فإنّ إدراج القطاع الصحي على لوائح العقوبات، تسبب بقلق غير مسبوق. فهذا القطاع بحدّ ذاته لم يكن يوماً معرّضاً لها، أياً كانت المخالفات والجرائم المرتكبة. ولكن متى ارتبط الأمر بالسوابق، سيبقى لبنان في طليعة الدول التي يمكن أن يشهد على مثل هذه التدابير الشاذة عن المألوف، وإن شملت قطاعاً صحياً واستشفائياً، فلم يتمكن أحد بعد وخصوصاً من المراجع المختصة من فك هذه الشيفرة.

 

وفي ظلّ غياب ما يبرّر هذا القرار وما يُراد منه، فإنّ التريث واجب الوجوب، في انتظار مزيد من التوضيحات على أكثر من مستوى، فالقطاع الصحي يمكن أن ينال نصيبه من المساعدات الخليجية والعربية والغربية، وهو مدرج على لوائحها غير المرتبطة إلى درجة كبيرة بالملفات والأوضاع العسكرية والسياسية منذ أن عانت البلاد تداعيات «جائحة كورونا» وصولاً إلى ما انتهى اليه تفجير مرفأ بيروت والأزمات المتتالية. ولم تكن هذه المستشفيات مشمولة بها، ليس لسبب وجيه سوى انّها لم تتضرّر من تفجير المرفأ ولا من أي أحداث مختلفة، حتى في عزّ مسلسل الحروب من حرب «الإلهاء والإسناد» إلى «أولي البأس» وما بينهما من جولات الحرب.

 

وبناءً على ما تقدّم، فقد تسببت هذه العقوبات بقلق يُعتقد انّه لن يطول انتظار توضيح أسبابه. فالإجراءات التي اتُخذت للاستفسار عن أسباب هذا القرار لم تأتِ بالجواب الشافي حتى اليوم. وهو ما عزز المخاوف في اتجاهات أخرى. فما الذي يمنع أن يعيد التاريخ نفسه، فتتوالى العقوبات الخليجية من دول أخرى لتشمل هذه المؤسسات تحديداً؟ ففي البرامج الرسمية التي تعدّها الحكومة لاستقطاب الدعم الخارجي، ما ستطلبه ليكون من نصيب القطاع الطبي الاستشفائي في لبنان، وقد تنعكس هذه الإجراءات على حصة الدولة إن كانت تنوي تقديم أي عون لها، كما يمكن أن تتوسع لاحقاً إلى بقية الدول الخليجية، فتبقى محظية بالدعم الإيراني دون سواه، إن كان ذلك ما زال قائماً حتى اليوم.

 

وبعيداً من هذه الملاحظات، وما تستدرجه من أسئلة لا أجوبة عنها حتى اللحظة، فإنّ المراجع المعنية رأت في القرار انقلاباً كويتياً كبيراً. فلم ينس اللبنانيون بعد، انّها أولى دول مجلس التعاون الخليجي التي تدخّلت لتطويق الإجراءات الخليجية التي صدرت في حق القطاعات اللبنانية الصناعية ولا سيما منها الزراعية، التي أطلقتها المملكة العربية السعودية في نهاية العام 2021، بعدما تعدّدت أشكال تهريب المخدرات إلى دول المنطقة من الليمون والشاي المخدر إلى ما هنالك من أساليب لتسويق الممنوعات السورية عبر الأراضي اللبنانية. وقد حمل يومها وزير خارجيتها الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح في 23 كانون الثاني 2022 ما سُمّي «الورقة الكويتية»، التي حملت عنوان «رأب الصدع في العلاقات الخليجية - اللبنانية وبناء جسور الثقة مع الجمهورية اللبنانية الشقيقة»، مجموعة من الشروط المطلوبة للجم العقوبات الخليجية الشاملة، ومنها ما زال مطروحاً إلى اليوم، من الدعوة إلى التخلّي عن السلاح غير الشرعي وتطبيق ما قال به اتفاق الطائف لجهة حل الميليشيات المسلحة وتطبيق القرارات الدولية من الـ 1559 (2004) الى 1680 (2006) والـ1701 (2006).

الأكثر قراءة